فصل: تفسير الآيات رقم (138- 139)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير البغوي المسمى بـ «معالم التنزيل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 76‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ‏(‏74‏)‏ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ‏(‏75‏)‏ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ‏(‏76‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ‏}‏ قرأ يعقوب ‏"‏ آزر ‏"‏ بالرفع، يعني‏:‏ ‏"‏ آزر ‏"‏ والقراءة المعروفة بالنصب، وهو اسم أعجمي لا ينصرف فينتصب في موضع الخفض‏.‏

قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي‏:‏ آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارخ أيضا مثل إسرائيل ويعقوب وكان من كوثى قرية من سواد الكوفة، وقال مقاتل بن حيان وغيره‏:‏ آزر لقب لأبي إبراهيم، واسمه تارخ‏.‏

وقال سليمان التيمي‏:‏ هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج، وقيل‏:‏ معناه الشيخ الهِمُّ بالفارسية، وقال سعيد بن المسيب ومجاهد‏:‏ آزر اسم صنم، فعلى هذا يكون في محل النصب تقديره أتتخذ آزر إلها، قوله ‏{‏أَصْنَامًا آلِهَةً‏}‏ دون الله، ‏{‏إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏}‏‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ‏}‏ أي‏:‏ كما أريناه البصيرة في دينه، والحق في خلاف قومه، نريه ‏{‏مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ‏}‏ والملكوت‏:‏ الملك، زيدت فيه التاء للمبالغة، كالجبروت والرحموت والرهبوت، قال ابن عباس‏:‏ يعني خلق السموات والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن جبير‏:‏ يعني آيات السموات والأرض، وذلك أنه أقيم على صخر وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين ونظر إلى مكانه في الجنة، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏وآتيناه أجره في الدنيا‏"‏ يعني‏:‏ أريناه مكانه في الجنة‏.‏

وروي عن سلمان رضي الله عنه، ورفعه بعضهم عن علي رضي الله عنه لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له الرب عز وجل‏:‏ ‏"‏يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة، فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خصال إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت عنه، وإن شئت عاقبته‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه‏"‏‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ملكوت السموات‏:‏ الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار‏.‏ ‏{‏وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏}‏ عطف على المعنى، ومعناه‏:‏ نريه ملكوت السموات والأرض، ليستدل به وليكون من الموقنين‏.‏

‏{‏فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا‏}‏ الآية، قال أهل التفسير‏:‏ ولد إبراهيم عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان، وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له‏:‏ إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغيّر دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، يقال‏:‏ إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام‏.‏

وقال السدي‏:‏ رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء، ففزع من ذلك فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهنة فسألهم عن ذلك، فقالوا‏:‏ هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة، فيكون هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه، قالوا‏:‏ فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة رجال رجلا فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض، فإذا طهرت حال بينهما، فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقرية، فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم عليه السلام، فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية حديثة السن، لم يعرف الحبل في بطنها‏.‏

وقال السدي‏:‏ خرج نمرود بالرجال إلى معسكر ونحاهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود أن يكون، فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلا آزر، فبعث إليه ودعاه وقال له‏:‏ إن لي حاجة أحببت أن أوصيك بها ولا أبعثك إلا لثقتي بك، فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك، فقال آزر‏:‏ أنا أشح على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته، فدخل المدينة وقضى حاجته، ثم قال‏:‏ لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم إبراهيم عليه السلام لم يتمالك حتى واقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام‏.‏

وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود‏:‏ إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم عليه السلام وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء، فرجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت، وأن الولد في موضع كذا وكذا فانطلق أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر، فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه‏.‏

قال أبو روق‏:‏ وقالت أم إبراهيم ذات يوم لأنظرن إلى أصابعه، فوجدته يمص من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا، ومن أصبع سمنا‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل‏؟‏ فقالت‏:‏ ولدت غلاما فمات، فصدقها فسكت عنها، وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال‏:‏ إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله غيره، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبا فقال‏:‏ هذا ربي، ثم أتبعه بصره لينظر إليه حتى غاب، فلما أفل، قال‏:‏ لا أحب الآفلين، ثم رأى القمر بازغا قال هذا ربي وأتبعه ببصره حتى غاب، ثم طلعت الشمس هكذا إلى آخره، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسرَّ آزر بذلك وفرح فرحا شديدا‏.‏

وقيل‏:‏ إنه كان في السرب سبع سنين، وقيل‏:‏ ثلاثة عشرة سنة، وقيل‏:‏ سبعة عشرة سنة، قالوا‏:‏ فلما شب إبراهيم عليه السلام، وهو في السرب قال لأمه‏:‏ من ربي‏؟‏ قالت‏:‏ أنا، قال‏:‏ فمن ربك‏؟‏ قالت‏:‏ أبوك، قال‏:‏ فمن رب أبي‏؟‏ قالت‏:‏ نمرود، قال‏:‏ فمن ربه‏؟‏ قالت له‏:‏ اسكت فسكت، ثم رجعت إلى زوجها، فقالت‏:‏ أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغيّر دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال، فأتاه أبوه آزر، فقال له إبراهيم عليه السلام‏:‏ يا أبتاه من ربي‏؟‏ قال‏:‏ أمك، قال‏:‏ ومن رب أمي‏؟‏ قال‏:‏ أنا قال‏:‏ ومن ربك‏؟‏ قال‏:‏ نمرود قال‏:‏ فمن رب نمرود‏؟‏ فلطمه لطمة وقال له‏:‏ اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا، قال‏:‏ هذا ربي‏.‏

ويقال‏:‏ إنه قال لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل أباه ما هذه‏؟‏ فقال‏:‏ إبل وخيل وغنم، فقال‏:‏ ما لهذه بدّ من أن يكون لها رب وخالق، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع، ويقال‏:‏ الزهرة، وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فيها، فرأى الكوكب قبل القمر، فذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ‏}‏ أي‏:‏ دخل، يقال‏:‏ جن الليل وأجن الليل، وجنه الليل، وأجن عليه الليل يجن جنونا وجنانا إذا أظلم وغطى كل شيء، وجنون الليل سواده، ‏{‏رَأَى كَوْكَبًا‏}‏ قرأ أبو عمرو ‏(‏رأى‏)‏ بفتح الراء وكسر الألف، وبكسرهما ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر، فإن اتصل بكاف أو هاء فتحهما ابن عامر، وإن لقيها ساكن كسر الراء وفتح الهمزة حمزة وأبو بكر، وفتحهما الآخرون‏.‏ ‏{‏قَالَ هَذَا رَبِّي‏}‏‏.‏

واختلفوا في قوله ذلك‏:‏ فأجراه بعضهم على الظاهر، وقالوا‏:‏ كان إبراهيم عليه السلام مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى وآتاه رشده فلم يضره ذلك في حال الاستدلال، وأيضا كان ذلك في حال طفوليته قبل قيام الحجة عليه، فلم يكن كفرا‏.‏

وأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا‏:‏ لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهّره وآتاه رشده من قبل وأخبر عنه فقال‏:‏ ‏"‏إذ جاء ربه بقلب سليم‏"‏ ‏(‏الصافات، 84‏)‏ وقال‏:‏ ‏"‏وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض‏"‏، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال‏:‏ هذا ربي معتقدا‏؟‏ فهذا ما لا يكون أبدا‏.‏

ثم قالوا‏:‏ فيه أربعة أوجه من التأويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها فأراهم أنه معظم ما عظموه وملتمس الهدى من حيث ما التمسوه، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدّعون، ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم، فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره، فقال‏:‏ الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما قد أظلنا، فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يحذرون، فأسلموا‏.‏

والوجه الثاني من التأويل‏:‏ أنه قاله على وجه الاستفهام تقديره‏:‏ أهذا ربي‏؟‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏أفإن مت فهم الخالدون‏)‏ ‏(‏الأنبياء، 34‏)‏‏؟‏ أي‏:‏ أفهم الخالدون‏؟‏ وذكره على وجه التوبيخ منكرا لفعلهم، يعني‏:‏ ومثل هذا يكون ربا، أي‏:‏ ليس هذا ربي‏.‏

والوجه الثالث‏:‏ أنه على وجه الاحتجاج عليهم، يقول‏:‏ هذا ربي بزعمكم‏؟‏ فلما غاب قال‏:‏ لو كان إلها لما غاب، كما قال‏:‏ ‏{‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏}‏ ‏(‏الدخان، 49‏)‏، أي‏:‏ عند نفسك وبزعمك، وكما أخبر عن موسى أنه قال‏:‏ ‏(‏وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه‏)‏ ‏(‏طه 97‏)‏ يريد إلهك بزعمك‏.‏

والوجه الرابع‏:‏ فيه إضمار وتقديره يقولون هذا ربي، كقوله ‏(‏وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا‏)‏، ‏(‏البقرة، 127‏)‏ أي‏:‏ يقولون ربنا تقبل منا‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ‏}‏ وما لا يدوم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 79‏]‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ‏(‏77‏)‏ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏(‏78‏)‏ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏79‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا‏}‏ طالعا، ‏{‏قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي‏}‏ قيل‏:‏ لئن لم يثبتني على الهدى، ليس أنه لم يكن مهتديا، والأنبياء لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان، وكان إبراهيم يقول‏:‏ ‏{‏وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ‏}‏ ‏(‏إبراهيم، 35‏)‏، ‏{‏لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ‏}‏ أي‏:‏ عن الهدى‏.‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ‏}‏ أي‏:‏ أكبر من الكوكب والقمر، ولم يقل هذه مع أن الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع، أو ردّه إلى المعنى، وهو الضياء والنور، لأنه رآه أضوأ من النجوم والقمر، ‏{‏فَلَمَّا أَفَلَتْ‏}‏ غربت، ‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 81‏]‏

‏{‏وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ‏(‏80‏)‏ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏81‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي‏}‏ ولما رجع إبراهيم عليه السلام إلى أبيه، وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين، وضمه آزر إلى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فيذهب بها إبراهيم عليه السلام وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فضرب فيه رءوسها، وقال‏:‏ اشربي، استهزاء بقومه، وبما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته، فحاجّه أي خاصمه وجادله قومه في دينه، ‏{‏قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ‏}‏ قرأ أهل المدينة وابن عامر بتخفيف النون، وقرأ الآخرون بتشديدها إدغاما لإحدى النونين في الأخرى، ومن خفف حذف إحدى النونين تخفيفا يقول‏:‏ أتجادلونني في توحيد الله، وقد هداني للتوحيد والحق‏؟‏ ‏{‏وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ‏}‏ وذلك أنهم قالوا له‏:‏ احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو جنون لعيبك إياها، فقال لهم‏:‏ ولا أخاف ما تشركون به، ‏{‏إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا‏}‏ وليس هذا باستثناء عن الأول بل هو استثناء منقطع، معناه لكن إن يشأ ربي شيئا أي سوء، فيكون ما شاء، ‏{‏وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا‏}‏ أي‏:‏ أحاط علمه بكل شيء، ‏{‏أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ‏}‏ يعني الأصنام، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، ‏{‏وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا‏}‏ حجة وبرهانا، وهو القاهر القادر على كل شيء، ‏{‏فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ‏}‏ أولى، ‏{‏بِالأمْنِ‏}‏ أنا وأهل ديني أم أنتم‏؟‏ ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 84‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏82‏)‏ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ‏(‏83‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏84‏)‏‏}‏‏.‏

فقال الله تعالى قاضيا بينهما‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ‏}‏ لم يخلطوا إيمانهم بشرك، ‏{‏أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ‏}‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق ثنا عيسى بن يونس أنا الأعمش أنا إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏(‏الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏)‏ شق ذلك على المسلمين فقالوا‏:‏ يا رسول الله فأينا لا يظلم نفسه‏؟‏ فقال‏:‏ ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان لابنه وهو يعظه‏:‏ ‏"‏يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏"‏‏؟‏ ‏(‏لقمان، 13‏)‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ‏}‏ حتى خصمهم وغلبهم بالحجة، قال مجاهد‏:‏ هي قوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ‏}‏ وقيل‏:‏ أراد به الحجاج الذي حاج نمرود على ما سبق في سورة البقرة‏.‏

‏{‏نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ‏}‏ بالعلم قرأ أهل الكوفة ويعقوب ‏(‏درجاتٍ‏)‏ بالتنوين هاهنا وفي سورة يوسف، أي‏:‏ نرفع درجات من نشاء بالعلم والفهم والفضيلة والعقل، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاجّ قومه في التوحيد، ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا‏}‏ ووفقنا وأرشدنا‏.‏ ‏{‏وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ من قبل إبراهيم، ‏{‏وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ‏}‏ أي ومن ذرية نوح عليه السلام، ولم يرد من ذرية إبراهيم لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية إبراهيم ‏{‏دَاوُدَ‏}‏ يعني‏:‏ داود بن أيشا، ‏{‏وَسُلَيْمَانَ‏}‏ يعني ابنه، ‏{‏وَأَيُّوبَ‏}‏ وهو أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، ‏{‏وَيُوسُفَ‏}‏ هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، ‏{‏وَمُوسَى‏}‏ وهو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب‏.‏ ‏{‏وَهَارُونَ‏}‏ هو أخو موسى أكبر منه بسنة، ‏{‏وَكَذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ وكما جزينا إبراهيم على توحيده بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء كذلك، ‏{‏نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‏}‏ على إحسانهم، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 89‏]‏

‏{‏وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏85‏)‏ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏86‏)‏ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏87‏)‏ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏88‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ‏(‏89‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَزَكَرِيَّا‏}‏ وهو زكريا بن اذن، ‏{‏وَيَحْيَى‏}‏ وهو ابنه، ‏{‏وَعِيسَى‏}‏ وهو ابن مريم بنت عمران، ‏{‏وَإِلْيَاسَ‏}‏ اختلفوا فيه، قال ابن مسعود‏:‏ هو إدريس، وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل، والصحيح أنه غيره، لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح، وإدريس جد أبي نوح وهو إلياس ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران ‏{‏كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِسْمَاعِيلَ‏}‏ وهو ولد إبراهيم، ‏{‏وَالْيَسَعَ‏}‏ وهو ابن أخطوب بن العجوز، وقرأ حمزة والكسائي ‏"‏ واليسع ‏"‏ بتشديد اللام وسكون الياء هنا وفي ص ‏{‏وَيُونُسَ‏}‏ وهو يونس بن متى، ‏{‏وَلُوطًا‏}‏ وهو لوط بن هاران بن أخي إبراهيم، ‏{‏وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ‏}‏ أي‏:‏ عالمي زمانهم‏.‏

‏{‏وَمِنْ آبَائِهِمْ‏}‏ من فيه للتبعيض، لأن آباء بعضهم كانوا مشركين، ‏{‏وَذُرِّيَّاتِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ ومن ذرياتهم‏.‏ وأراد به ذرية بعضهم‏:‏ لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد، وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا، ‏{‏وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ‏}‏ اخترناهم واصطفيناهم، ‏{‏وَهَدَيْنَاهُمْ‏}‏ أرشدناهم، ‏{‏إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏‏.‏

‏{‏ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ‏}‏ دين الله، ‏{‏يَهْدِي بِهِ‏}‏ يرشد به، ‏{‏مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا‏}‏ أي‏:‏ هؤلاء الذين سميناهم، ‏{‏لَحَبِطَ‏}‏ لبطل وذهب، ‏{‏عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ‏}‏ أي‏:‏ الكتب المنزلة عليهم، ‏{‏وَالْحُكْمَ‏}‏ يعني‏:‏ العلم والفقه، ‏{‏وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ‏}‏ الكفار يعني‏:‏ أهل مكة، ‏{‏فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ‏}‏ يعني‏:‏ الأنصار وأهل المدينة، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال قتادة‏:‏ فإن يكفر بها هؤلاء الكفار فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، يعني‏:‏ الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله هاهنا، وقال أبو رجاء العطاردي‏:‏ معناه فإن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء، وهم الملائكة، ليسوا بها بكافرين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 91‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ‏(‏90‏)‏ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏91‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ هداهم الله، ‏{‏فَبِهُدَاهُمُ‏}‏ فبسنتهم وسيرتهم، ‏{‏اقْتَدِهِ‏}‏ الهاء فيها هاء الوقف، وحذف حمزة والكسائي الهاء في الوصل، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا، وقرأ ابن عامر‏:‏ ‏"‏ اقتده ‏"‏ بإشباع الهاء كسرا ‏{‏قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ‏}‏ ما هو، ‏{‏إِلا ذِكْرَى‏}‏ أي‏:‏ تذكرة وعظة، ‏{‏لِلْعَالَمِينَ‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏}‏ أي ما عظموه حق عظمته، وقيل‏:‏ ما وصفوه حق صفته، ‏{‏إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ‏}‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين‏"‏ وكان حبرا سمينا فغضب، وقال‏:‏ والله ما أنزل الله على بشر من شيء‏.‏

وقال السدي‏:‏ نزلت في فنخاص بن عازوراء، وهو قائل هذه المقالة‏.‏

وفي القصة‏:‏ أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه، وقالوا‏:‏ أليس أن الله أنزل التوراة على موسى‏؟‏ فلِمَ قلت ما أنزل الله على بشر من شيء‏؟‏ فقال مالك بن الصيف أغضبني محمد فقلت ذلك، فقالوا له‏:‏ وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق فنزعوه من الحبرية، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف‏.‏

وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ قالت اليهود‏:‏ يا محمد أنزل الله عليك كتابا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قالوا‏:‏ والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله‏:‏ ‏"‏وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء‏"‏، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم، ‏{‏مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ‏}‏ يعني التوراة، ‏{‏تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا‏}‏ أي‏:‏ تكتبون عنه دفاتر وكتبا مقطعة تبدونها، أي‏:‏ تبدون ما تحبون وتخفون كثيرا من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏"‏ يجعلونه ‏"‏ ‏"‏ ويبدونها ‏"‏ ‏"‏ ويخفونها ‏"‏، بالياء جميعا، لقوله تعالى ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏}‏ وقرأ الآخرون بالتاء، لقوله تعالى ‏{‏قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى‏}‏‏.‏

وقوله ‏{‏وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا‏}‏ الأكثرون على أنها خطاب لليهود، يقول‏:‏ عُلِّمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا ‏{‏أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ‏}‏ قال الحسن‏:‏ جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا به‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ هذا خطاب للمسلمين يذكّرهم النعمة فيما علّمهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏قُلِ اللَّهُ‏}‏ هذا راجع إلى قوله ‏{‏قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى‏}‏ فإن أجابوك وإلا فقل أنت‏:‏ الله، أي‏:‏ قل أنزله الله، ‏{‏ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 93‏]‏

‏{‏وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ‏(‏92‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏93‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ‏}‏ أي‏:‏ القرآن كتاب مبارك أنزلناه ‏{‏مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ‏}‏ يا محمد، قرأ أبو بكر عن عاصم ‏"‏ ولينذر ‏"‏ بالياء أي‏:‏ ولينذر الكتاب، ‏{‏أُمَّ الْقُرَى‏}‏ يعني‏:‏ مكة سميت أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها، فهي أصل الأرض كلها كالأم أصل النسل، وأراد أهل أم القرى ‏{‏وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ أي‏:‏ أهل الأرض كلها شرقا وغربا ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ بالكتاب، ‏{‏وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ الصلوات الخمس، ‏{‏يُحَافِظُونَ‏}‏ يداومون، يعني‏:‏ المؤمنين‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى‏}‏ أي‏:‏ اختلق ‏{‏عَلَى اللَّهِ كَذِبًا‏}‏ فزعم أن الله تعالى بعثه نبيا، ‏{‏أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ‏}‏ قال قتادة‏:‏ نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي، وكان يسجع ويتكهن، فادعى النبوة وزعم أن الله أوحى إليه، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما‏:‏ أتشهدان أن مسيلمة نبي‏؟‏ قالا نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما‏"‏‏.‏

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏بينا أنا نائم إذ أُتِيْتُ خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبُرا علي وأهمّاني فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابَيْن اللذين أنا بينهما‏:‏ صاحب صنعاء وصاحب اليمامة‏"‏ أراد بصاحب صنعاء الأسود العنسي وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ‏}‏ قيل‏:‏ نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان إذ أملى عليه‏:‏ سميعا بصيرا، كتب عليما حكيما، وإذا قال‏:‏ عليما حكيما، كتب‏:‏ غفورا رحيما، فلما نزلت‏:‏ ‏"‏ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين‏"‏ ‏(‏المؤمنون، 12‏)‏ أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال‏:‏ تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اكتبها فهكذا نزلت، فشكّ عبد الله، وقال‏:‏ لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ قوله ‏{‏وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ‏}‏ يريد المستهزئين، وهو جواب لقولهم‏:‏ ‏{‏لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى‏}‏ يا محمد، ‏{‏إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ‏}‏ سكراته وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء‏:‏ معظمه، وأصلها‏:‏ الشيء الذي يعمّ الأشياء فيغطيها، ثم وُضعت في موضع الشدائد والمكاره، ‏{‏وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِم‏}‏ بالعذاب والضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وقيل بقبض الأرواح، ‏{‏أَخْرِجُوا‏}‏ أي‏:‏ يقولون أخرجوا، ‏{‏أَنْفُسَكُمُ‏}‏ أي‏:‏ أرواحكم كرها، لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربها، والجواب محذوف، يعني‏:‏ لو تراهم في هذه الحال لرأيت عجبا، ‏{‏الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ‏}‏ أي‏:‏ الهوان، ‏{‏بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏94‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ‏(‏94‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى‏}‏ هذا خبر من الله أنه يقول للكفار يوم القيامة‏:‏ ولقد جئتمونا فرادى وحدانا، لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم، وفرادى جمع فردان، مثل سكران وسكارى، وكسلان وكسالى، وقرأ الأعرج فَرْدَى بغير ألف مثل سكرى، ‏{‏كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ عراة حفاة غرلا ‏{‏وَتَرَكْتُمْ‏}‏ خلّفتم ‏{‏مَا خَوَّلْنَاكُمْ‏}‏ أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم، ‏{‏وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ‏}‏ خلف ظهوركم في الدنيا، ‏{‏وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ‏}‏ وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده، ‏{‏لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ‏}‏ قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص عن عاصم بنصب النون، أي‏:‏ لقد تقطع ما بينكم من الوصل، أو تقطع الأمر بينكم‏.‏ وقرأ الآخرون ‏"‏بينُكم‏"‏ برفع النون، أي‏:‏ لقد تقطع وصلكم وذلك مثل قوله‏:‏ ‏"‏وتقطعت بهم الأسباب‏"‏ ‏(‏البقرة، 166‏)‏، أي‏:‏ الوصلات، والبين من الأضداد يكون وصلا ويكون هجرا، ‏{‏وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 98‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏95‏)‏ فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏96‏)‏ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏97‏)‏ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ‏(‏98‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى‏}‏ الفلق الشق، قال الحسن وقتادة والسدي‏:‏ معناه يشق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة فيخرجها منها، والحب جمع الحبة، وهي اسم لجميع البذور والحبوب من البر والشعير والذرة، وكل ما لم يكن له نوى، وقال الزجاج‏:‏ يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منها أوراقا خضرا‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ يعني الشقين اللذين فيهما، أي‏:‏ يشق الحب عن النبات ويخرجه منه ويشق النوى عن النخل ويخرجها منه‏.‏

والنوى جمع النواة، وهي كل ما لم يكن حبا، كالتمر والمشمش والخوخ ونحوها‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ فالق الحب والنوى يعني‏:‏ خالق الحب والنوى، ‏{‏يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏}‏ تصرفون عن الحق‏.‏

‏{‏فَالِقُ الإصْبَاحِ‏}‏ شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وكاشفه وهو أول ما يبدو من النهار يريد مبدئ الصبح وموضحه‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ خالق النهار، والإصباح مصدر كالإقبال والإدبار، وهو الإضاءة وأراد به الصبح‏.‏ ‏{‏وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا‏}‏ يسكن فيه خلقه، وقرأ أهل الكوفة‏:‏ ‏"‏ وجعل ‏"‏ على الماضي، ‏"‏ الليل ‏"‏ نصب اتباعا للمصحف، وقرأ إبراهيم النخعي ‏{‏فَالِقُ الإصْبَاحِ‏}‏ ‏{‏وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا‏}‏ أي‏:‏ جعل الشمس والقمر بحساب معلوم لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما، والحسبان مصدر كالحساب، ‏{‏ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ‏}‏ أي خلقها لكم، ‏{‏لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ‏}‏‏.‏

والله تعالى خلق النجوم لفوائد‏:‏

أحدها هذا‏:‏ وهو أن راكب البحر والسائر في القفار يهتدي بها في الليالي إلى مقاصده‏.‏

والثاني‏:‏ أنها زينة للسماء كما قال‏:‏ ‏"‏ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح‏"‏ ‏(‏الملك، 5‏)‏‏.‏

ومنها‏:‏ رمي الشياطين، كما قال‏:‏ ‏"‏وجعلناها رجوما للشياطين‏"‏، ‏(‏الملك، 5‏)‏‏.‏

‏{‏قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ‏}‏ خلقكم وابتدأكم، ‏{‏مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ آدم عليه السلام، ‏{‏فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ‏}‏ قرأ ابن كثير وأهل البصرة ‏"‏ فمستقر ‏"‏ بكسر القاف، يعني‏:‏ فمنكم مستقر ومنكم مستودع، وقرأ الآخرون بفتح القاف، أي‏:‏ فلكم مستقر ومستودع‏.‏

واختلفوا في المستقر والمستودع، قال عبد الله بن مسعود‏:‏ فمستقر في الرحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث‏.‏

وقال سعيد بن جبير وعطاء‏:‏ فمستقر في أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب الآباء، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعيد بن جبير‏:‏ قال لي ابن عباس هل تزوجت قلت‏:‏ لا قال‏:‏ إنه ما كان من مستودع في ظهرك فيستخرجه الله عز وجل‏.‏

ورُوي عن أُبيّ أنه قال‏:‏ مستقر في أصلاب الآباء، ومستودع في أرحام الأمهات‏.‏

وقيل‏:‏ مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض، قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ونقر في الأرحام ما نشاء‏"‏ ‏(‏الحج، 5‏)‏‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ مستقر على ظهر الأرض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة، ويدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين‏"‏ ‏(‏البقرة، 36‏)‏‏.‏

وقال الحسن‏:‏ المستقر في القبور والمستودع في الدنيا، وكان يقول‏:‏ يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك‏.‏

وقيل‏:‏ المستودع القبر والمستقر الجنة والنار، لقوله عز وجل في صفة الجنة والنار‏:‏ ‏"‏حسنت مستقرا‏"‏ ‏(‏الفرقان، 76‏)‏ ‏"‏وساءت مستقرا‏"‏ ‏(‏الفرقان، 66‏)‏، ‏{‏قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏99‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏99‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بالماء، ‏{‏نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ‏}‏ أي من الماء، وقيل‏:‏ من النبات، ‏{‏خَضِرًا‏}‏ يعني‏:‏ أخضر، مثل العَوَر والأعور، يعني‏:‏ ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير ونحوهما، ‏{‏نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا‏}‏ أي متراكما بعضه على بعض مثل سنابل البر والشعير والأرز وسائر الحبوب، ‏{‏وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا‏}‏ والطلع أول ما يخرج من ثمر النخل، ‏{‏قِنْوَانٌ‏}‏ جمع قنو وهو العِذق، مثل صنو وصنوان، ولا نظير لهما في الكلام، ‏{‏دَانِيَةٌ‏}‏ أي‏:‏ قريبة المتناول ينالها القائم والقاعد، وقال مجاهد‏:‏ متدلية، وقال الضحاك‏:‏ قصار ملتزقة بالأرض، وفيه اختصار معناه‏:‏ ومن النخل ما قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة، فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لسبقه إلى الأفهام، كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏سرابيل تقيكم الحر‏"‏ ‏(‏النمل، 81‏)‏ يعني‏:‏ الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما ‏{‏وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ‏}‏ أي‏:‏ وأخرجنا منه جنات، وقرأ الأعمش عن عاصم ‏"‏ وجنات ‏"‏ بالرفع نسقا على قوله ‏"‏ قنوان ‏"‏ وعامة القراء على خلافه، ‏{‏وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ‏}‏ يعني‏:‏ وشجر الزيتون وشجر الرمان، ‏{‏مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ‏}‏ قال قتادة‏:‏ معناه مشتبها ورقها مختلفا ثمرها، لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان، وقيل‏:‏ مشتبه في المنظر مختلف في الطعم، ‏{‏انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ‏}‏ قرأ حمزة والكسائى بضم الثاء والميم، هذا وما بعده وفي ‏"‏يس‏"‏ على جمع الثمار، وقرأ الآخرون بفتحهما على جمع الثمرة، مثل‏:‏ بقرة وبقر، ‏{‏إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ‏}‏ ونضجه وإدراكه، ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 102‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏100‏)‏ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏101‏)‏ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ‏(‏102‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ‏}‏ يعني‏:‏ الكافرين جعلوا لله الجن شركاء، ‏{‏وَخَلَقَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ وهو خلق الجن‏.‏

قال الكلبي‏:‏ نزلت في الزنادقة، أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق، فقالوا‏:‏ الله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب، وهذا كقوله‏:‏ ‏"‏وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا‏"‏، ‏(‏الصافات، 158‏)‏ وإبليس من الجنة، ‏{‏وَخَرَقُوا‏}‏ قرأ أهل المدينة ‏"‏وخرَّقوا‏"‏، بتشديد الراء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي‏:‏ اختلقوا ‏{‏لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ وذلك مثل قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وقول كفار العرب الملائكة بنات الله، ثم نزه نفسه فقال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ مبدعهما لا على مثال سبق، ‏{‏أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ‏}‏ أي‏:‏ كيف يكون له ولد‏؟‏ ‏{‏وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ‏}‏ زوجة، ‏{‏وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

‏{‏ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ‏}‏ فأطيعوه، ‏{‏وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ‏}‏ بالحفظ له وبالتدبير فيه، ‏{‏لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ‏}‏ الآية، يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عيانا‏.‏

ومذهب أهل السنة‏:‏ إثبات رؤية الله عز وجل عيانا جاء به القرآن والسنة، قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏"‏، ‏(‏القيامة، 23‏)‏، وقال‏:‏ ‏"‏كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏"‏

‏(‏المطففين، 15‏)‏، قال مالك رضي الله عنه‏:‏ لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعيّر الله الكفار بالحجاب، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏"‏ ‏(‏يونس، 26‏)‏، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي أنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنكم سترون ربكم عيانا‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 105‏]‏

‏{‏لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ‏(‏103‏)‏ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ‏(‏104‏)‏ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ‏}‏ علم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو‏:‏ الوقوف على كُنهِ الشيء والإحاطة به، والرؤية‏:‏ المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى ‏"‏فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال‏:‏ كلا‏"‏ ‏(‏سورة الشعراء، 61‏)‏، وقال ‏"‏لا تخاف دركا ولا تخشى‏"‏ ‏(‏سورة طه، 77‏)‏، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عز وجل يجوز أن يُرى من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ولا يحيطون به علما‏)‏، ‏(‏سورة طه، 110‏)‏، فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب‏:‏ لا تحيط به الأبصار، وقال عطاء‏:‏ كلت أبصار المخلوقبن عن الإحاطة به، وقال ابن عباس ومقاتل‏:‏ لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ‏}‏ لا يخفى عليه شيء ولا يفوته، ‏{‏وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ اللطيف بأوليائه الخبير بهم، وقال الأزهري‏:‏ معنى ‏{‏اللَّطِيفُ‏}‏ الرفيق بعباده، وقيل‏:‏ اللطيف الموصل الشيء باللين والرفق، وقيل‏:‏ اللطيف الذي يُنسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا، وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ‏}‏ يعني الحجج البينة التي تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل، ‏{‏فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ‏}‏ أي‏:‏ فمن عرفها وآمن بها فلنفسه عمل، ونفعه له، ‏{‏وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ من عمي عنها فلم يعرفها ولم يصدقها فعليها، أي‏:‏ فبنفسه ضر، ووبال العمى عليه، ‏{‏وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ‏}‏ برقيب أحصي عليكم أعمالكم، إنما أنا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ‏}‏ نفصلها ونبيّنها في كل وجه، ‏{‏وَلِيَقُولُوا‏}‏ قيل‏:‏ معناه لئلا يقولوا، ‏{‏دَرَسْتَ‏}‏ وقيل‏:‏ هذه اللام لام العاقبة أي عاقبة أمرهم أن يقولوا‏:‏ درست، أي‏:‏ قرأت على غيرك، وقيل‏:‏ قرأت كتب أهل الكتاب، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا‏)‏، ‏(‏القصص، 8‏)‏، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك، ولكن أراد أن عاقبة أمرهم أن كان عدوا لهم‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ وليقولوا يعني‏:‏ أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست، أي‏:‏ تعلمت من يسار وجبر، كانا عبدين من سبي الروم، ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله، من قولهم‏:‏ درست الكتاب أدرس درسا ودراسة‏.‏

وقال الفرَّاء‏:‏ يقولون تعلمت من اليهود، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو‏:‏ ‏"‏دارست‏"‏ بالألف، أي‏:‏ قارأت أهل الكتاب من المدارسة بين اثنين، تقول‏:‏ قرأت عليهم وقرأوا عليك‏.‏ وقرأ ابن عامر ويعقوب‏:‏ ‏"‏دَرَسَتْ‏"‏ بفتح السين وسكون التاء، أي‏:‏ هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة، قد درست وانمحت، من قولهم‏:‏ درس الأثر يدرس دروسا‏.‏ ‏{‏وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد، وقيل‏:‏ يعني أن تصريف الآيات ليشقى به قوم ويسعد به قوم آخرون، فمن قال درست فهو شقي ومن تبين له الحق فهو سعيد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 108‏]‏

‏{‏اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏106‏)‏ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏107‏)‏ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏108‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن اعمل به، ‏{‏لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ فلا تجادلهم‏.‏

‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا‏}‏ أي‏:‏ لو شاء لجعلهم مؤمنين، ‏{‏وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا‏}‏ رقيبا قال عطاء‏:‏ وما جعلناك عليهم حفيظا تمنعهم مني، أي‏:‏ لم تبعث لتحفظ المشركين عن العذاب إنما بعثت مبلغا‏.‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏}‏ الآية قال ابن عباس‏:‏ لما نزلت ‏"‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم‏"‏ ‏(‏الأنبياء، 98‏)‏ قال المشركون‏:‏ يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم‏.‏

وقال قتادة‏:‏ كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة‏.‏

وقال السدي‏:‏ لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش‏:‏ انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب‏:‏ كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه‏.‏ فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأُبيّ ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري إلى أبي طالب، فقالوا‏:‏ يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وآلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعنه وإلهه، فدعاه فقال‏:‏ هؤلاء قومك يقولون نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، فقد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم‏؟‏ ‏"‏ قال أبو جهل‏:‏ نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها، فما هي‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏قولوا لا إله إلا الله‏"‏ فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب‏:‏ قل غيرها يا ابن أخي، فقال‏:‏ يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي، فقالوا‏:‏ لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك، فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏}‏ يعني الأوثان، ‏{‏فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا‏}‏ أي‏:‏ اعتداء وظلما، ‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏‏.‏

وقرأ يعقوب ‏"‏ عدوا ‏"‏ بضم العين والدال وتشديد الواو، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏:‏ ‏"‏لا تسبوا ربكم‏"‏، فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم‏.‏

فظاهر الآية، وإن كان نهيا عن سب الأصنام، فحقيقته النهي عن سب الله، لأنه سبب لذلك‏.‏

‏{‏كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية، ‏{‏ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ‏}‏ ويجازيهم، ‏{‏بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ‏(‏109‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ‏}‏ الآية‏.‏ قال محمد بن كعب القرظي والكلبي‏:‏ قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أي شيء تحبون‏؟‏ قالوا‏:‏ تجعل لنا الصفا ذهبا أو ابعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل، أو أرنا الملائكة يشهدون لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له‏:‏ اختر ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بل يتوب تائبهم، فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ حلفوا بالله جهد أيمانهم، أي‏:‏ بجهد أيمانهم، يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها‏.‏

قال الكلبي ومقاتل‏:‏ إذا حلف الرجل بالله، فهو جهد يمينه‏.‏

‏{‏لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ‏}‏ كما جاءت من قبلهم من الأمم، ‏{‏لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ‏}‏ يا محمد، ‏{‏إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ والله قادر على إنزالها، ‏{‏وَمَا يُشْعِرُكُمْ‏}‏ وما يدريكم‏.‏

واختلفوا في المخاطبين بقوله ‏{‏وَمَا يُشْعِرُكُمْ‏}‏ فقال بعضهم‏:‏ الخطاب للمشركين الذين أقسموا‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الخطاب للمؤمنين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ‏}‏ قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصم ‏"‏ إنها ‏"‏ بكسر الألف على الابتداء، وقالوا‏:‏ تم الكلام عند قوله ‏{‏وَمَا يُشْعِرُكُمْ‏}‏ فمن جعل الخطاب للمشركين قال‏:‏ معناه‏:‏ وما يشعركم أيها المشركون أنها لو جاءت آمنتم‏؟‏ ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه‏:‏ وما يشعركم أيها المؤمنون أنها لو جاءت آمنوا‏؟‏ لأن المسلمين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يُشْعِرُكُمْ‏}‏ ثم ابتدأ فقال جل ذكره‏:‏ ‏{‏أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ‏}‏ وهذا في قوم مخصوصين حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقرأ الآخرون‏:‏ ‏"‏أنها‏"‏ بفتح الألف وجعلوا الخطاب للمؤمنين، واختلفوا في قوله‏:‏ ‏{‏لا يُؤْمِنُونَ‏}‏ فقال الكسائي‏:‏ ‏{‏لا‏}‏ صلة، ومعنى الآية‏:‏ وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت المشركين يؤمنون‏؟‏ كقوله تعالى ‏"‏وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون‏"‏ ‏(‏الأنبياء، 95‏)‏، أي‏:‏ يرجعون وقيل‏:‏ إنها بمعنى لعل، وكذلك هو في قراءة أُبيّ، تقول العرب‏:‏ اذهب إلى السوق أنك تشتري شيئا، أي‏:‏ لعلك، وقال عدي بن زيد‏:‏

أعاذل ما يدريك أن منيتي *** إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد

أي‏:‏ لعل منيتي، وقيل‏:‏ فيه حذف وتقديره‏:‏ وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون أو لا يؤمنون‏؟‏ وقرأ ابن عامر وحمزة ‏"‏ لا تؤمنون ‏"‏ بالتاء على الخطاب للكفار واعتبروا بقراءة أُبيّ‏:‏ إذا جاءتكم لا تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر، دليلها قراءة الأعمش‏:‏ أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 111‏]‏

‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏110‏)‏ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني ونحول بينهم وبين الإيمان، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي‏:‏ كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره، وقيل‏:‏ كما لم يؤمنوا به أول مرة، يعني معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام، كقوله تعالى ‏(‏أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل‏)‏، ‏(‏القصص، 48‏)‏، وفي الآية محذوف تقديره فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ المرة الأولى دار الدنيا، يعني لو رُدّوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم، كما قال‏:‏ ‏"‏ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه‏"‏ ‏(‏الأنعام، 28‏)‏ ‏{‏وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ قال عطاء‏:‏ نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون‏.‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ‏}‏ فرأوهم عيانا، ‏{‏وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى‏}‏ بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا، ‏{‏وَحَشَرْنَا‏}‏ وجمعنا، ‏{‏عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا‏}‏ قرأ أهل المدينة وابن عامر ‏"‏ قبلا ‏"‏ بكسر القاف وفتح الباء، أي معاينة، وقرأ الآخرون بضم القاف والباء، هو جمع قبيل، وهو الكفيل، مثل رغيف ورُغف، وقضيب وقُضُب أي‏:‏ ضُمناء وكُفلاء، وقيل‏:‏ هو جمع قبيل وهو القبيلة، أي‏:‏ فوجا فوجا، وقيل‏:‏ هو بمعنى المقابلة والمواجهة، من قولهم‏:‏ أتيتك قبلا لا دبرا إذا أتاه من قبل وجهه، ‏{‏مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ‏}‏ ذلك، ‏{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112- 113‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ‏(‏112‏)‏ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا‏}‏ أي‏:‏ أعداء فيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني كما ابتليناك بهؤلاء القوم، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء، ثم فسّرهم فقال‏:‏ ‏{‏شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ‏}‏ قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي‏:‏ معناه شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس شياطين، وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الإنس وفريقا منهم إلى الجن، وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه، وهم الذين يلتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن‏:‏ أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله، وتقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك، فذلك وحي بعضهم إلى بعض‏.‏

قال قتادة ومجاهد والحسن‏:‏ إن من الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين، والشيطان‏:‏ العاتي المتمرد من كل شيء، قالوا‏:‏ إن الشيطان إذا أعياه المؤمن وعجز من إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، يدل عليه ما روي عن أبي ذر قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس‏"‏‏؟‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله وهل للإنس من شياطين‏؟‏

قال‏:‏ ‏"‏نعم، هم شر من شياطين الجن‏"‏‏.‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ إن شياطين الإنس أشد عليّ من شياطين الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ‏}‏ أي‏:‏ يلقي، ‏{‏زُخْرُفَ الْقَوْلِ‏}‏ وهو قول مموّه مزين بالباطل لا معنى تحته، ‏{‏غُرُورًا‏}‏ يعني‏:‏ لهؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم، يغرونهم غرورا، والغرور‏:‏ القول الباطل، ‏{‏وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ‏}‏ أي‏:‏ ما ألقاه الشيطان من الوسوسة في القلوب ‏{‏فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ تميل إليه، والصغو‏:‏ الميل، يقال‏:‏ صغو فلان معك، أي‏:‏ ميله، والفعل منه‏:‏ صغى يصغي، صغا، وصغى يصغى، ويصغو صغوا، والهاء في ‏"‏إليه‏"‏ راجعة إلى زخرف القول‏:‏ ‏{‏وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا‏}‏ ليكتسبوا، ‏{‏مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ‏}‏ يقال‏:‏ اقترف فلان مالا إذا اكتسبه، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ومن يقترف حسنة‏)‏ ‏(‏الشورى، 23‏)‏، وقال الزجاج‏:‏ أي ليعملوا من الذنوب ما هم عاملون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 117‏]‏

‏{‏أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏114‏)‏ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏115‏)‏ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ‏(‏116‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏117‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ اللَّهِ‏}‏ فيه اضمار أي‏:‏ قل لهم يا محمد أفغير الله، ‏{‏أَبْتَغِي‏}‏ أطلب ‏{‏حَكَمًا‏}‏ قاضيا بيني وبينكم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعل بيننا وبينك حكما فأجابهم به، ‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا‏}‏ مبينا فيه أمره ونهيه، يعني‏:‏ القرآن، وقيل‏:‏ مفصلا أي خمسا خمسا وعشرا وعشرا، كما قال‏:‏ ‏(‏لنثبت به فؤادك‏)‏ ‏(‏الفرقان، 32‏)‏، ‏{‏وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ‏}‏ يعني‏:‏ علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل، وقيل‏:‏ هم مؤمنو أهل الكتاب، وقال عطاء‏:‏ هم رءوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالكتاب هو القرآن، ‏{‏يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن، قرأ ابن عامر وحفص ‏"‏ منزل ‏"‏ بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوما متفرقة، وقرأ الآخرون بالتخفيف من الإنزال، لقوله تعالى‏:‏ ‏"‏وهو الذي أنزل إليكم الكتاب‏"‏، ‏{‏مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏}‏ من الشاكين أنهم يعلمون ذلك‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ‏}‏ قرأ أهل الكوفة ويعقوب ‏"‏ كلمة ‏"‏ على التوحيد، وقرأ الآخرون ‏(‏كلمات‏)‏ بالجمع، وأراد بالكلمات أمره ونهيه ووعده ووعيده، ‏{‏صِدْقًا وَعَدْلا‏}‏ أي‏:‏ صدقا في الوعد والوعيد، وعدلا في الأمر والنهي، قال قتادة ومقاتل‏:‏ صادقا فيما وعد وعدلا فيما حكم، ‏{‏لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لا رادّ لقضائه ولا مغيّر لحكمه ولا خلف لوعده، ‏{‏وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ قيل‏:‏ أراد بالكلمات القرآن لا مبدّل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون‏.‏

‏{‏وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ عن دين الله، وذلك أن أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة، وقيل‏:‏ أراد أنهم جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة، وقالوا‏:‏ أتأكلون ما تقتلون ولا تأكلون ما قتله الله عز وجل‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ وإن تطعهم في أكل الميتة يضلوك عن سبيل الله، ‏{‏إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ‏}‏ يريد أن دينهم الذي هم عليه ظن وهوى لم يأخذوه عن بصيرة، ‏{‏وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ‏}‏ يكذبون‏.‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ‏}‏ قيل‏:‏ موضع ‏"‏من‏"‏ نصب بنزع حرف الصفة، أي‏:‏ بمن يضل، وقال الزجاج‏:‏ موضعه رفع بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام، والمعنى‏:‏ إن ربك هو أعلم أيُّ الناس من يضل عن سبيله، ‏{‏وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏}‏ أخبر أنه أعلم بالفريقين الضالين والمعتدين فيجازي كلا بما يستحقه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏118- 119‏]‏

‏{‏فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ‏(‏118‏)‏ وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ‏(‏119‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ كلوا مما ذبح على اسم الله، ‏{‏إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏

وذلك أنهم كانوا يُحرّمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات، فقيل لهم‏:‏ أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا لَكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أي شيء لكم، ‏{‏أَلا تَأْكُلُوا‏}‏ وما يمنعكم من أن تأكلوا ‏{‏مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏}‏ من الذبائح، ‏{‏وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ‏}‏ قرأ أهل المدينة ويعقوب وحفص ‏"‏ فصل ‏"‏ و ‏"‏ حرم ‏"‏ بالفتح فيهما أي فصل الله ما حرمه عليكم، لقوله ‏{‏اسْمَ اللَّهِ‏}‏ وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بضم الفاء والحاء وكسر الصاد والراء على غير تسمية الفاعل، لقوله ‏{‏ذُكِرَ‏}‏ وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ‏"‏ فصل ‏"‏ بالفتح و ‏"‏ حرم ‏"‏ بالضم، وأراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى ‏"‏حرمت عليكم الميتة والدم‏"‏ ‏(‏المائدة، 3‏)‏، ‏{‏إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ‏}‏ من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الاضطرار، ‏{‏وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ‏}‏ قرأ أهل الكوفة بضم الياء وكذلك قوله ‏(‏ليضلوا‏)‏ في سورة يونس، لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏يضلوك عن سبيل الله‏)‏، وقيل‏:‏ أراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله‏:‏ ‏{‏مَنْ يَضِلُّ‏}‏ ‏{‏بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ حين امتنعوا من أكل ما ذكر اسم الله عليه ودعوا إلى أكل الميتة ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ‏}‏ الذين يجاوزون الحلال إلى الحرام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏120- 121‏]‏

‏{‏وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ‏(‏120‏)‏ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ‏(‏121‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ‏}‏ يعني‏:‏ الذنوب كلها لأنها لا تخلو من هذين الوجهين، قال قتادة‏:‏ علانيته وسره، وقال مجاهد‏:‏ ظاهر الإثم ما يعمله بالجوارح من الذنوب، وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ ظاهره الزنا وباطنه المخالة، وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الإعلان بالزنا، وهم أصحاب الروايات، وباطنه الاستسرار به، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا فكان الشريف منهم يتشرف، فيسر به، وغير الشريف لا يبالي به فيظهره، فحرمهما الله عز وجل، وقال سعيد بن جبير‏:‏ ظاهر الإثم نكاح المحارم وباطنه الزنا‏.‏

وقال ابن زيد‏:‏ ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في الطواف والباطن الزنا، وروى حبان عن الكلبي‏:‏ ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا عراة، وباطنه طواف النساء بالليل عراة، ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ‏}‏ في الآخرة، ‏{‏بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ‏}‏ يكتسبون في الدنيا‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها‏.‏

وقال عطاء‏:‏ الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام‏.‏

واختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها‏:‏ فذهب قوم إلى تحريمها سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا، وهو قول ابن سيرين والشعبي، واحتجوا بظاهر هذه الآية‏.‏

وذهب قوم إلى تحليلها، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين‏.‏

وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدا لا يحل، وإن تركها ناسيا يحل، حكى الخرقي من أصحاب أحمد‏:‏ أن هذا مذهبه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي‏.‏

من أباحها قال‏:‏ المراد من الآية الميتات أو ما ذبح على غير اسم الله بدليل أنه قال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ‏}‏ والفسق في ذكر اسم غير الله كما قال في آخر السورة ‏{‏قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ‏}‏ إلى قوله ‏{‏أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ‏}‏‏.‏

واحتج من أباحها بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو خالد الأحمر قال سمعت هشام بن عروة يحدّث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قالت‏:‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتونا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا‏؟‏ قال‏:‏ اذكروا أنتم اسم الله وكلوا‏"‏‏.‏

ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل الذبح‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ‏}‏ أراد أن الشياطين ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم، وذلك أن المشركين قالوا‏:‏ يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها‏؟‏ فقال‏:‏ الله قتلها، قالوا‏:‏ أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام‏؟‏ فأنزل الله هذه الآية، ‏{‏وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ‏}‏ في أكل الميتة، ‏{‏إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}‏ قال الزجاج‏:‏ وفيه دليل على أن من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم ما أحل الله فهو مشرك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏122‏]‏

‏{‏أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏122‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ‏}‏ قرأ نافع ‏"‏ ميِّتا ‏"‏ و ‏(‏لحم أخيه ميِّتا‏)‏ ‏(‏الحجرات، 12‏)‏ و‏(‏الأرض الميتة أحييناها‏)‏ ‏(‏سورة يس، 33‏)‏ بالتشديد فيهن، والآخرون بالتخفيف ‏{‏فَأَحْيَيْنَاهُ‏}‏ أي‏:‏ كان ضالا فهديناه، كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان، ‏{‏وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا‏}‏ يستضيء به، ‏{‏يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ‏}‏ على قصد السبيل، قيل‏:‏ النور هو الإسلام، لقوله تعالى ‏"‏يخرجهم من الظلمات إلى النور‏"‏ ‏(‏البقرة، 257‏)‏، وقال قتادة‏:‏ هو كتاب الله بينة من الله مع المؤمن، بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي، ‏{‏كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ‏}‏ المثل صلة، أي‏:‏ كمن هو في الظلمات، ‏{‏لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا‏}‏ يعني‏:‏ من ظلمة الكفر‏.‏

قيل‏:‏ نزلت هذه الآية في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما، قال ابن عباس‏:‏ جعلنا له نورا، يريد حمزة بن عبد المطلب، كمن مثله في الظلمات يريد أبا جهل بن هشام، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، وحمزة لم يؤمن بعد، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه، ويقول‏:‏ يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به‏؟‏ سفّه عقولنا وسبّ آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة‏:‏ ومن أسفه منكم‏؟‏ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فأنزل الله هذه الآية‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل‏.‏

وقال عكرمة والكلبي‏:‏ نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل‏.‏

‏{‏كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ من الكفر والمعصية، قال ابن عباس‏:‏ يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 124‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏123‏)‏ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ‏(‏124‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا‏}‏ أي‏:‏ كما أن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها، أي‏:‏ عظماءها، جمع أكبر، مثل أفضل وأفاضل، وأسود وأساود، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال في قصة نوح عليه السلام‏:‏ ‏(‏أنؤمن لك واتبعك الأرذلون‏)‏ ‏(‏الشعراء، 111‏)‏، وجعل فساقهم أكابرهم، ‏{‏لِيَمْكُرُوا فِيهَا‏}‏ وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقولون لكل من يقدم‏:‏ إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب‏.‏ ‏{‏وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ‏}‏ لأن وبال مكرهم يعود عليهم ‏{‏وَمَا يَشْعُرُونَ‏}‏ أنه كذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ‏}‏ يعني‏:‏ مثل ما أوتي رسل الله من النبوة، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال‏:‏ لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال‏:‏ زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إنا صرنا كفرسي رهان، قالوا‏:‏ منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا جَاءَتْهُمْ‏}‏ حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ يعني أبا جهل، ‏{‏لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ‏}‏ يعني‏:‏ محمدا صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ‏}‏ قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد، وقرأ الآخرون رسالاته بالجمع، يعني‏:‏ الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة‏.‏ ‏{‏سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ‏}‏ ذل وهوان ‏{‏عِنْدِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ من عند الله، ‏{‏وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ‏}‏ قيل‏:‏ صغار في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏125‏]‏

‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ‏(‏125‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ‏}‏ أي‏:‏ يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام، ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر، فقال‏:‏ ‏"‏نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح‏"‏، قيل‏:‏ فهل لذلك أمارة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت‏"‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا‏}‏ قرأ ابن كثير ‏"‏ ضيقا ‏"‏ بالتخفيف هاهنا وفي الفرقان، والباقون بالتشديد، وهما لغتان مثل‏:‏ هَيْن وهيِّن ولين ولين، ‏{‏حَرَجًا‏}‏ قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء والباقون بفتحها، وهما لغتان أيضا مثل‏:‏ الدنف والدنف، وقال سيبويه الحرج بالفتح‏:‏ المصدر كالطلب، ومعناه ذا حرج وبالكسر الاسم، وهو أشد الضيق، يعني‏:‏ يجعل قلبه ضيقا حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي‏:‏ ليس للخير فيه منفذ‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيئا من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك‏.‏

وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، فسأل أعرابيا من كنانة‏:‏ ما الحرجة فيكم‏؟‏ قال‏:‏ الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير‏.‏

‏{‏كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ‏}‏ قرأ ابن كثير‏:‏ ‏"‏ يصعد ‏"‏، بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم ‏"‏ يصاعد ‏"‏ بالألف، أي يتصاعد، وقرأ الآخرون ‏{‏يصّعّد‏}‏ بتشديد الصاد والعين، أي‏:‏ يتصعد، يعني‏:‏ يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء، وأصل الصعود المشقة، ومنه قوله تعالى ‏(‏سأرهقه صعودا‏)‏ أي‏:‏ عقبة شاقة، ‏{‏كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ الرجس هو الشيطان، أي‏:‏ يسلط عليه، وقال الكلبي‏:‏ هو المأثم، وقال مجاهد‏:‏ الرجس ما لا خير فيه‏.‏ وقال عطاء‏:‏ الرجس العذاب مثل الرجس‏.‏ وقيل‏:‏ هو النجس‏.‏ روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أعوذ بك من الرجس والنجس‏"‏‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏126- 128‏]‏

‏{‏وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏126‏)‏ لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏127‏)‏ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ‏(‏128‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا‏}‏ أي‏:‏ هذا الذي بيّنا، وقيل هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيما لا عوج فيه وهو الإسلام‏.‏ ‏{‏قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ الجنة‏:‏ قال أكثر المفسرين‏:‏ السلام هو الله وداره الجنة، وقيل‏:‏ السلام هو السلامة، أي‏:‏ لهم دار السلامة من الآفات، وهي الجنة‏.‏ وسميت دار السلام لأن كل من دخلها سَلِمَ من البلايا والرزايا‏.‏

وقيل‏:‏ سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، يقال في الابتداء‏:‏ ‏(‏ادخلوها بسلام آمنين‏)‏ ‏(‏الحجر، 46‏)‏، ‏(‏والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم‏)‏ ‏(‏الرعد، 23‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما‏)‏ ‏(‏الواقعة، 26‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏تحيتهم فيها سلام‏)‏ ‏(‏إبراهيم، 23‏)‏ ‏(‏سلام قولا من رب رحيم‏)‏ ‏(‏يس، 58‏)‏‏.‏ ‏{‏وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ قال الحسين بن الفضل‏:‏ يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ‏}‏ قرأ حفص‏:‏ ‏{‏يَحْشُرُهُمْ‏}‏ بالياء، ‏{‏جَمِيعًا‏}‏ يعني‏:‏ الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول‏:‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ‏}‏ والمراد بالجن‏:‏ الشياطين، ‏{‏قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ‏}‏ أي‏:‏ استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء أي‏:‏ أضللتم كثيرا، ‏{‏وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ‏}‏ يعني‏:‏ أولياء الشياطين الذي أطاعوهم من الإنس، ‏{‏رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ‏}‏‏.‏

قال الكلبي‏:‏ استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قَفْرٍ وخاف على نفسه من الجن قال‏:‏ أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جوارهم‏.‏

وأما استمتاع الجن بالإنس‏:‏ هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن، حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم، وهذا كقوله تعالى ‏(‏وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا‏)‏ ‏(‏الجن، 6‏)‏‏.‏

وقيل‏:‏ استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يُلْقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، وتسهيل سبيلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي‏.‏

قال محمد بن كعب‏:‏ هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم لبعض‏.‏

‏{‏وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا‏}‏ يعني‏:‏ القيامة والبعث، ‏{‏قَالَ‏}‏ اللَّهِ تَعَالَى ‏{‏النَّارُ مَثْوَاكُمْ‏}‏ مقامكم، ‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ‏}‏‏.‏

اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله‏:‏ ‏(‏خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك‏)‏ ‏(‏هود، 107‏)‏‏.‏

قيل‏:‏ أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني‏:‏ هم خالدون في النار إلا هذا المقدار‏.‏

وقيل‏:‏ الاستثناء يرجع إلى العذاب، وهو قوله ‏{‏النَّارُ مَثْوَاكُمْ‏}‏ أي‏:‏ خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، و ‏"‏ما‏"‏ بمعنى ‏"‏من‏"‏ على هذا التأويل، ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏ قيل‏:‏ عليم بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البر والتقوى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏129- 130‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏129‏)‏ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ‏(‏130‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏ قيل‏:‏ أي كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض نولي بعض الظالمين بعضا، أي‏:‏ نسلط بعضهم على بعض، فنأخذ من الظالم بالظالم، كما جاء‏:‏ ‏"‏من أعان ظالما سلطه الله عليه‏"‏‏.‏

وقال قتادة‏:‏ نجعل بعضهم أولياء بعض، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان والكافر ولي الكافر حيث كان‏.‏ وروي عن معمر عن قتادة‏:‏ نتبع بعضهم بعضا في النار، من الموالاة، وقيل‏:‏ معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن، ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، أي‏:‏ نكل بعضهم إلى بعض، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏نوله ما تولى‏)‏ ‏(‏النساء، 115‏)‏، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها هو‏:‏ أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولّى أمرهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ‏}‏ اختلفوا في أن الجن هل أرسل إليهم منهم رسول‏؟‏ فسئل الضحاك عنه، فقال‏:‏ بلى ألم تسمع الله يقول ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ بذلك رسلا من الإنس ورسلا من الجن‏.‏ قال الكلبي‏:‏ كانت الرسل من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الجن وإلى الإنس جميعا‏.‏

قال مجاهد‏:‏ الرسل من الإنس، والنذر من الجن، ثم قرأ ‏(‏ولوا إلى قومهم منذرين‏)‏ ‏(‏الأحقاف، 29‏)‏، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا، وليس للجن رسل، فعلى هذا قوله ‏"‏رسل منكم‏"‏ ينصرف إلى أحد الصنفين وهم الإنس، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان‏)‏ ‏(‏الرحمن، 22‏)‏ وإنما يخرج من الملح دون العذب، قال‏:‏ ‏(‏وجعل القمر فيهن نورا‏)‏ ‏(‏نوح، 16‏)‏، وإنما هو في سماء واحدة‏.‏

‏{‏يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يقرؤن عليكم، ‏{‏آيَاتِي‏}‏ كتبي ‏{‏وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا‏}‏ وهو يوم القيامة، ‏{‏قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا‏}‏ أنهم قد بلغوا، قال مقاتل‏:‏ وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر‏.‏ قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا‏}‏ حتى لم يؤمنوا، ‏{‏وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131- 134‏]‏

‏{‏ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ‏(‏131‏)‏ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏132‏)‏ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ‏(‏133‏)‏ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ‏(‏134‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ‏}‏ أي‏:‏ ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وعذاب من كذبهم، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، أي‏:‏ لم يكن مهلكهم بظلم أي‏:‏ بشرك من أشرك، ‏{‏وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ‏}‏ لم ينذروا حتى يبعث إليهم رسلا ينذرونهم‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل‏.‏

وقيل‏:‏ معناه لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل فيكون قد ظلمهم، وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته، يكون ذلك بعد إنذار الرسل‏.‏

‏{‏وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا‏}‏ يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا، ‏{‏وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏ قرأ ابن عامر تعملون بالتاء والباقون بالياء‏.‏

‏{‏وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ‏}‏ عن خلقه، ‏{‏ذُو الرَّحْمَةِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ذو الرحمة بأوليائه وأهل طاعته، وقال الكلبي‏:‏ بخلقه ذو التجاوز، ‏{‏إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ‏}‏ يهلككم، وعيد لأهل مكة، ‏{‏وَيَسْتَخْلِفْ‏}‏ يخلق وينشئ، ‏{‏مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ‏}‏ خلقا غيركم أمثل وأطوع، ‏{‏كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ‏}‏ أي‏:‏ آبائهم الماضين قرنا بعد قرن‏.‏

‏{‏إِنَّ مَا تُوعَدُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما توعدون من مجيء الساعة والحشر، ‏{‏لآتٍ‏}‏ كائن، ‏{‏وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏}‏ أي‏:‏ بفائتين، يعني‏:‏ يدرككم الموت حيث ما كنتم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏135- 137‏]‏

‏{‏قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏135‏)‏ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏136‏)‏ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ‏(‏137‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ‏}‏ قرأ أبو بكر عن عاصم ‏{‏مَكَانَتِكُمْ‏}‏ بالجمع حيث كان أي‏:‏ على تمكنكم، قال عطاء‏:‏ على حالاتكم التي أنتم عليها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ اعملوا على ما أنتم عليه‏.‏ يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة‏:‏ على مكانتك يا فلان، أي‏:‏ اثبت على ما أنت عليه، وهذا أمر وعيد على المبالغة يقول‏:‏ قل لهم اعملوا على ما أنتم عاملون، ‏{‏إِنِّي عَامِلٌ‏}‏ ما أمرني به ربي عز وجل، ‏{‏فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ‏}‏ أي‏:‏ الجنة، قرأ حمزة والكسائي‏:‏ يكون بالياء هنا وفي القصص، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة، ‏{‏إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك‏.‏ قال الضحاك‏:‏ لا يفوز‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا‏}‏ الآية، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا، وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا‏:‏ إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان، وقالوا‏:‏ إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله، فذلك قوله تعالى ‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ‏}‏ خلق ‏{‏مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا‏}‏ وفيه اختصار مجازه‏:‏ وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا‏.‏

‏{‏فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ‏}‏ قرأ الكسائي ‏(‏بِزُعْمهم‏)‏ بضم الزاي، والباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة، ‏{‏وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا‏}‏ يعني‏:‏ الأوثان، ‏{‏فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ‏}‏ ومعناه‏:‏ ما قلنا أنهم كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه لله، ولا يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان‏.‏ وقال قتادة كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزَّءوا لله وأكلوا منه ووفروا ما جزَّءوا لشركائهم ولم يأكلوا منه شيئا ‏{‏سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ‏}‏ أي‏:‏ بئس ما يصنعون‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ أي‏:‏ كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لكثير من المشركين، ‏{‏قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ‏}‏ قال مجاهد شركاؤهم، أي‏:‏ شياطينهم زينوا وحسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة، سميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ شركاؤهم‏:‏ سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل الأولاد، فكان الرجل منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله‏.‏

وقرأ ابن عامر‏:‏ ‏"‏زين‏"‏ بضم الزاي وكسر الياء، ‏"‏قتل‏"‏ رفع ‏"‏أولادهم‏"‏ نصب، ‏"‏شركائهم‏"‏ بالخفض على التقديم، كأنه قال‏:‏ زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، فصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به، وهم الأولاد، كما قال الشاعر‏:‏

فَزَجَّجْتُه مُتَمَكِّنًا *** زَجَّ القَلُوصِ أبي مَزَادَهْ

أي‏:‏ زج أبي مزادة القلوص، فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء، وإن لم يتولوا ذلك لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه، فكأنهم فعلوه‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏لِيُرْدُوهُمْ‏}‏ ليهلكوهم، ‏{‏وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ‏}‏ ليخلطوا عليهم، ‏{‏دِينَهُمْ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ليدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشيطان، ‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ‏}‏ أي‏:‏ لو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد، ‏{‏فَذَرْهُمْ‏}‏ يا محمد، ‏{‏وَمَا يَفْتَرُونَ‏}‏ يختلقون من الكذب، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏138- 139‏]‏

‏{‏وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏138‏)‏ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ‏(‏139‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَقَالُوا‏}‏ يعني‏:‏ المشركين، ‏{‏هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ‏}‏ أي حرام، يعني‏:‏ ما جعلوا لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ذكره‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يعني بالأنعام‏:‏ البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ‏{‏لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ‏}‏ يعنون الرجال دون النساء، ‏{‏وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا‏}‏ يعني‏:‏ الحوامي كانوا لا يركبونها، ‏{‏وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله، وقال أبو وائل‏:‏ معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير، لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبّر بذكر الله تعالى عن فعل الخير‏.‏ ‏{‏افْتِرَاءً عَلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن الله أمرهم به افتراء عليه ‏{‏سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا‏}‏ أي‏:‏ نسائنا‏.‏ قال ابن عباس وقتادة والشعبي‏:‏ أراد أجنة البحائر والسوائب، فما ولد منها حيا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء جميعا، وأدخل الهاء في ال ‏"‏ خالصة ‏"‏ للتأكيد كالخاصة والعامة، كقولهم‏:‏ نسابة وعلامة، وقال الفراء‏:‏ أدخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها فأنثت بتأنيثها‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ خالص وخالصة واحد، مثل وعظ وموعظة‏.‏

‏{‏وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً‏}‏ قرأ ابن عامر وأبو جعفر ‏"‏ تكن ‏"‏ بالتاء ‏{‏مَيْتَةً‏}‏ رفع، ذكر الفعل بعلامة التأنيث، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة‏.‏ وقرأ أبو بكر عن عاصم ‏"‏ تكن ‏"‏ بالتاء ‏{‏مَيْتَةً‏}‏ نصب، أي‏:‏ وإن تكن الأجنة ميتة، وقرأ ابن كثير‏:‏ ‏{‏وَإِنْ يَكُنْ‏}‏ بالياء ‏{‏مَيْتَةً‏}‏ رفع، لأن المراد بالميتة الميت، أي‏:‏ وإن يقع ما في البطون ميتا، وقرأ الآخرون ‏{‏وَإِنْ يَكُنْ‏}‏ بالياء ‏{‏مَيْتَةً‏}‏ نصب، رده إلى ‏{‏مَا‏}‏ أي‏:‏ وإن يكن ما في البطون ميتة، يدل عليه أنه قال ‏{‏فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ‏}‏ ولم يقل فيها، وأراد أن الرجال والنساء فيه شركاء، ‏{‏سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ بوصفهم، أو على وصفهم الكذب على الله تعالى ‏{‏إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏